عبد الملك الجويني

147

الشامل في أصول الدين

كون السواد سوادا ، وهو واجب عنده ، والواجب لا يعلل . وهذا مما اتفق عليه المعتزلة ، فلم يبق لقوله مرجوع . ثم إذا استبان تناقض مذهبه وفساده في صفة النفس ، ترتب عليه بطلان قوله في التماثل حيث قال : المثلان هما المجتمعان في صفة النفس . ومما استدل به الأئمة في إبطال مذهبه في التماثل أن قالوا : المختلفان عندك مختلفان لنفسيهما . إذ الاختلاف يرجع إلى صفة النفس ، كما أن التماثل يرجع إلى صفة النفس . فلزم على مؤد قوله أن يحكم بتماثل المختلفين من حيث اجتمعا في وصف الاختلاف وهذا ما أورده القاضي رضي اللّه عنه في « الشرح » . فلو قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن اختلاف المختلفين ليس بصفة نفس ، وإنما صفة النفس كون أحدهما سوادا ، وكون الثاني بياضا ، فأما حكم الاختلاف فليس من صفات الأنفس ، فيلزم من الاشتراك فيه التماثل . قلنا : هذا ساقط ، فإن الاختلاف حكم ثابت ، وهو معلل عند الجبائي بما يرجع إلى صفة النفس ، كما أن التماثل معلل بصفة النفس ، وكل وصف علل بوصف نفس ، فهو وصف نفس ، إذ كل صفة لم تثبت للنفس ولا لمعنى ، فهي غير معللة إجماعا . فلما كان التماثل والاختلاف معللين ، استحال أن يكونا من الصفات التي تثبت لا للنفس ولا لمعنى ، إذ كل صفة كانت كذلك ، لم تكن من المعلولات اتفاقا ، فثبت أنهما من صفات النفس ، ولزم من ذلك تماثل المختلفين ، وهذا من الأسرار ، فاعلموه . وأما وجه الرد على من زعم من المعتزلة أن صفة النفس هي اللازمة للنفس ، فيطول تتبعه . وسنستقصي القول في الرد على منع تعليل الواجب من الصفات في كتاب الصفات إن شاء اللّه . فصل [ هل يجوز أن يتماثل الشيئان من وجه ويختلفان من وجه ] فإن قال قائل : هل يجوز أن يتماثل الشيئان من وجه ويختلفان من وجه ؟ قلنا : كل شيئين ثبت تماثلهما ؛ لم يصح اختلافهما بوجه من الوجوه . وكل شيئين ثبت اختلافهما ، لم يصح تماثلهما . وإيضاح ذلك يترتب على أصل لا بد من تقديمه ، وهو أن نعلم أن المتماثلين يتماثلان لنفسيهما لا لمعنيين زائدين عليهما ، وكذلك المختلفان ، يختلفان لنفسيهما . وذهب بعض المتكلمين إلى أن المتماثلين يتماثلان لمعنيين قائمين بذاتيهما ، وكذلك